القرطبي
210
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولو تصور لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك ، فإنه لم يخل زمان قط من السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره . قال القاضي : والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى : " إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " فلما رأوه قد شكا مس الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال . وليس الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها . في إيمانها وكفرها ، طاعتها وعصيانها ، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه ، ولا في خلق شئ غيرها ، ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا ، وإن كان موجودا منه خلقا ، أدبا أدبنا به ، وتحميدا علمناه . وكان من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لربه به قول من جملته : " والخير في يديك والشر ليس إليك " على هذا المعنى . ومنه قول إبراهيم : " وإذا مرضت فهو يشفين " [ الشعراء : 80 ] وقال الفتى للكليم : " وما أنسانيه إلا الشيطان " [ الكهف : 63 ] وأما قولهم : انه استعان به مظلوم فلم ينصره ، فمن لنا بصحة هذا القول . ولا يخلو أن يكون قادرا على نصره ، فلا يحل لأحد تركه فيلام على أنه عصى وهو منزه عن ذلك ، . أو كان عاجزا فلا شئ عليه في ذلك ، وكذلك قولهم : إنه منع فقيرا من الدخول ، إن كان علم به فهو باطل عليه وإن لم يعلم به فلا شئ عليه فيه . وأما قولهم : إنه داهن على غنمه الملك الكافر فلا تقل داهن ولكن قل داري . ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز ، نعم وبحسن الكلام . قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله عنه : ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين ، الأولى قوله تعالى : " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر " [ الأنبياء : 83 ] والثانية في : " ص " " أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " . وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله : " بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب " الحديث . وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه ، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره ، أم على أي لسان سمعه ؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات ، فأعرض عن سطورها بصرك ، وأصمم عن سماعها أذنيك ، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا ، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا